مجلة حـــــروف من نــــــــور مجلة حـــــروف من نــــــــور

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

أَئِمٌّةٌ على منبرِ الحياةِ ..... للأديب / محمد شعبان

هذه المرةَ قررتُ أن أحضرَ بمظهرٍ مختلفٍ ربما يكون المظهرُ هو مقياس الاختيارِ ، فمنذ تخرجي من الجامعة وأن أحضر لهذا المكان بهذا الخطاب الذي حفظتُ شكلَه وكلماتِه " :ـ برجاء التوجُّه لمبني الوزارة للمقابلة في الموعد المحدد " ، فأنطلق من محافظتي في أقصى الصعيد في مساء اليوم السابق لليوم المحدد ، وآتي لمبنى الوزارة وأجلس في ضيافة انتظارٍ مملٍّ ، وتوترٍ خانقٍ، حتى أشرُفَ بمقابلةٍ بارقةٍ عقيمةٍ لا أكاد أرى وجوه أصحابها ، ثم أعود في قيظِ اليومِ المحدد إلى محافظتي منتظرا النتيجة والتي لا تفاجئني بعدم القبول دائمًا ، وإنما تفاجئني بقبول مَنْ هم أقلُّ مني سنًّا وكفاءةً وقدرةً على ملء المكان ، فقط فرضتهم الوساطةُ والمحسوبيةُ وسوءُ الاختيارِ ومقاييسُ اختباريةٍ قاصرة لا ينبني عليها مطلقًا اختيارُ داع ٍ يرفع هامة منبره وإمامٍ يكون منارة هداية للناس ،وإنما اختباراتٌ تصدمنا بمن يصعد المنبر ولا يجيد الخطابة ، ويَؤُمُّ الناسَ ولا يجيد تلاوة القرآن ، ويفتي الناس بغير علم ...
هذه المرةَ كانتْ مختلفةً في كل شيء حتى في مظهري فبدلا من الحضور بالقميص والبنطلون حضرتُ مرتديًا جلبابًا وعباءةً وطاقيةً وحتى مكان الاختبار كان (جامع الفتح ) بـ ( رمسيس ) وليس مقرَّ الوزارة كالمعتاد .. هييييييه لعله خير هذه المرة وأجتازُ الاختبار وأكونُ من المقبولين ـ بإذن الله ـ .. كانت الأسماء مرتبةً أبجديًّا، وبما أني بحرف الياء فـاااا ...... ياااااه .. يعني حضرتُ من آخرِ البلاد لأكونَ في آخرِ الأسماء .. خير .. اللهم اجعله خيرا .. طال الانتظار داخل الجامع .. قمتُ وتركتُ المكان لأتناول كوب شاي أو قهوة بعيدًا عن خنقة الانتظار وضغطةِ التوتر الذي يزداد حدةً كلما خرج أحدُ المُمْتَحَنِين يصف تفاصيل الاختبار من داخل القاعة الملحقة بالمسجد، عندها كان يصاب الجميع بالخوف والذعر .. خرجتُ وتمشيت وسورَ المسجد .. الزحامُ شديدٌ والميدانُ يضج بالصخب ، يتلاحم البشر والمركبات ككتلة واحدة ، شربتُ فنجان قهوة على أحد المقاهي ، وقمتُ مسرعًا متوجها للجامع من جديد، فالتوتر داخل الجامع أهون بكثير من هذه الأزمة الإنسانية التي عاناها جيل التسعينات وخريجو الجامعات في هذه الحقبة الغابرة البائدة .
لكن حدث شيء عجيب .. بعد اجتيازي بوابة السياج الحديدية ، وقبل بلوغي الدرج المؤدي لباب الجامع نادتني امرأة مسنَّة تقف بعيدا وتقبض على ذراع بنتٍ في سن السابعة عشرة، أو تقل، وعلى يمين هذه القاصر امرأة شابة فتية قوية تقبض على ذراعها من الأخرى ، وكأنهما قابضتان على لص هارب من العدالة .. ترددتُ كثيرًا في التوجه إليهن وهممتُ بتجاهلهن والاستمرارِ في الصعود نحو باب الجامع فمثل هذه المواقف غير مضمونة العواقبِ ربما شركٌ ينصبه نسوة ليوقعوا فريسة صعيديَّةً سهلةَ التناول ، لكنني وجدتُ رغبةً تدفعني نحوهنّ .. كنَّ محجبات وعلى وجوههن أثر حزنٍ بالغٍ، وعيونهن مترعة بالدموع .. يبدو أن مظهري أوحي لتلك المسنة بأني إمام المسجد ، فأنشَأَتْ تحكي لي قصة هذه المراهقة الصغيرة الهاربة من المنزل لتلحق بشاب اتفق معها على الهرب والزواج بعيدًا عن أهلها، وأنهم غير راضين عن تلك العلاقة التي نشأت عن طريق الهاتف ،وتحت الضغط والشد والجذب قررتْ الهربَ معه. سكتُّ لبرهة متأملا القَدَرَ الذي ساق لي هذه المشكلة ، وأنا هنا اليوم لإجراء مقابلة ربما تُسْفِرُ عن أن أصبح داعية أرتاد المساجد ، وأنادي فيها المصلين بحسن الخلق ، واااا .. ، بينما خارجها أزمات إنسانية أخرى تحتاج إلى دعاة من نوع خاص ..
حَكَتْ تلك المسنةُ ـ وقد أنهكها طول السفر والسعي خلف هذه المراهقة التي تركض خلف رغبة عابرة ـ ،ودموعها تنهمر على خدها وأنا أنصتُ باهتمامٍ، وهي تطلب مني النصيحة لابنتها لتعود عما نَوَتْه وقررتْه قبل أن يحضر أخوها الذي اتصلا به وهو على وصول ليجبرها على العودة ..
توجهتُ للفتاةِ، فسألتُها عن اسمها ، وقد بدتْ لي طفلةً لم يكتملْ نموُّها بعد، فلم تُجِبْ ، والتفتَتْ عنِّي بوجهها .. طالبْتُ أمَّها وأختَها بأن يتركاها ، فرفضتا .. كررتُ طلبي :ـ اتركاها .. هي تريدُ أن تتزوجَ مَنْ تحبُّه وتستريحُ له .. برقَتْ عينا المسنة وابنتِها الشابة المتزوجة ، وأخذتا تنظران إليَّ في دهشةٍ وذهولٍ ، بينما المراهقةُ ـ والتي أعجبها قولي ـ تنظر لي وقد انبسطَتْ أساريرها ، فقلت لها :ـ أليس كذلك ؟ ألستِ تحبينه ؟ ، فهزت رأسها أنْ نعم ، فسألتُها :ـ ما اسمكِ ؟ .. قالتْ :ـ أمل .. :ـ الله ما أجمل اسمك ـ يا أمل ـ ! الآنَ ـ يا أمل ـ ستعودينَ مع أمكِ وأختكِ للبيتِ مكرمةً معززةً ولن يتعرضَ لك أحدٌ بسوء ولو حضر أخوكِ الآنَ فأنا خصيمُه ولن يجرؤ على أن يمدَّ يده عليكِ ، وأمَّا أنتما فأرْبِعَا على أنفسكما ودعَا الأمورَ تسير بشكل طبيعي ، واطلبا من هذا الشاب أن يأتي البيوت من أبوابها ، فإنْ أجابَ ـ ولا أظنه يفعل ـ ووجدتْم فيه الرجلَ المناسبَ القادرَ على فتحِ بيتٍ ورعايةِ زوجةٍ فهو أحق بـ ( أمل )، وإن لم يحضر ـ وغالبا لن يحضر ـ فهو لعبيّ ذو نزوة، ولا يستحق ابنتنا العزيزة ( أمل ) ، وعندها ينبغي أن تلتفتي عنه ـ يا أمل ـ إلى دروسك ومستقبلك ، فما زال العمر أمامك، وينبغي أن تحسني الاختيار وأن تختاري من يصونك ويحترمك ويحترم أهلك ، الآن اتركاها هي لن تهربَ منكما... وعلى خوفٍ تركتِ المسنةُ يدَ ( أمل ) وتبعتها ابنتُها الشابةُ المتزوجةُ فأفلتتْ يدَها بهدوء، وانطلقْنَ جميعُهنَّ في سلام ، بينما بَقِيتُ أنا أقاسي مرارةَ الانتظارِ المملِّ والتوترَ الخانقَ ، حتى بلغَتْ المقابلةُ حرفَ الياءِ .. دخلتُ ..
:ـ السلام عليكم .
:ـ وعليكم السلام .. كم تحفظ من القرآن ؟
:ـ القرآنَ الكريمَ كاملا .
:ـ أسمِعْنا .
أخذتُ أقرأُ حتى استوقفني أحدُهُما قائلا
:ـ حسبُكْ .. تَفَضَّلْ .. مع السلامة .
وما زلتُ في صحبةِ السلامةِ حتى الآنَ . 

...........
محمد محمود شعبان 

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

زوار المدونة

احصاءات المدونة

جميع الحقوق محفوظة

مجلة حـــــروف من نــــــــور

2016