بثَّ الجوى والسُّقْمَ في أعضائي
و رمى بصدري أغْولَ الأنواءِ
وطنٌ تغلغلَ في ثنايا أضلعي
و أثارَ فيَّ حَمِيَّةَ الشعراءِ
لمَّا غزا سمعي و أجْهَشَ عاتِباً :
ماذا دهاكَ لتسْتَحِلَ جفائي ؟!
ماذا دهى جسدي الأبيَّ لكي يُرَى
مُتَذَلِّاً في قبضةِ الدخلاءِ ؟!
و مساجدي و معابدي و عقائدي
تلهو بها مِزَقٌ من العملاءِ ؟!
وطفولتي و صبابتي و كهولتي
و مرافئي و شواطئي و سمائي ..
قاطعتهُ : كلَّا و ربِّ المصطفى
أنا ما فقدتُ مروءتي و حيائي !!
أنا ذلكَ الصبُّ الذي لَعِقَ الثرى
لفراقِ موطنِهِ القريبِ النائي !!
أنا من ترعرع من نقائكَ ملهمي
و رمَوا سهامَ النفيِ في أعضائي
فتملَّكتْ حُمَمُ الفراقِ جوانحي
و تضرَّعتْ من هولِها أحشائي
و تعاقبتْ كتلُ السُّمومِ تفتُّني
و الداءُ يُسْلِمُ هامتي للدَّاءِ
حتَّى تهاوتْ في الترابِ مدامعي
و تناثرتْ فوقَ الثرى أشلائي !!
لكنَّ طيفَكَ قد أعادَ جوارحي
فصعِدتُ في نَهَمٍ إلى الأجواءِ
و رأيتُني شطرَ السماءِ مُيَمِّماً
و لمحتُ من خلفِ الغمامِ دوائي
فنهِلتُ من فرقانِ ربِّ المنتهى
و رحيقِ سِدْرَةِ أحمدَ الغنَّاءِ
فاغرورقتْ عينايَ خَشْيةَ خالقي
و أشعَّتا كالبرقِ في الظلْماءِ
و تجمَّعتْ دررُ الحقيقةِ فيهما
لمَّا رأيتُكَ موطنَ الشرفاءِ
تختالُ فوقَ العالمينَ و تزْدهي
متبتِّلاً في العُصْبَةِ العصماءِ *
فغدوتُ صبًّا قد تملكهُ الهوى
و غدا بعشقِكَ مِنْبرَ النبلاءِ
يا ملهمي المسلوبَ لن يبقى العِدا
ما دام عشقُكَ جارياً بدمائي
فالصدقُ طبعي و المروءةُ شيمتي
و الحقُّ دِرعي و الكفاحُ لوائي
أهوى حياةَ الناظرينَ إلى العلا
آبى الحياةَ بمُنْزَلِ الجبناءِ
لو خيَّروني : أنْ أعيشَ مُنَعَّماً
في ظلِّ واحةِ ساسةِ الأهواءِ
أو أنْ أُساقَ إلى السعيرِ مُصَوَّحاً
و سلاسلُ الأغلالِ كلُّ ردائي
لعدوتُ نحوَ النارِ مُبْتهِجًا بما
ينتابني من محنةٍ و بلاءِ
فالموتُ أسمى من حياةٍ تُشْترى
بمهانةٍ و مذلَّةٍ و رياءِ
.............
محمد عباس محفوظ المعلاوي
