
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحابته أجمعين، أما بعد:
يحلُّ علينا عامٌ هجريٌّ جديد، والأمةُ المحمدية ما زالت تخوض في مخاضات السنة السابقة حتى كتابة هذا المقال؛ مخاضاتٍ عسيرة، ومنعطفاتٍ خطيرة، وواقعًا مؤسفًا، ووضعًا مؤلمًا، في ظلِّ التحولات والتغيرات الدولية. والعالم يحبس أنفاسه بين حربٍ قد تصل إلى العالمية، أو سلمٍ واتفاقٍ يعيدان الأمن والطمأنينة إلى المنطقة والعالم.
ويأتي هذا العام والقانون الدولي يلفظ أنفاسه الأخيرة، والعدالة الدولية تحتضر، والضمير العالمي ينتحر، والأقنعة تتساقط، ووجوه الشياطين خلفها تظهر بوقاحة وتفتخر. كما أن قانون الغاب بات يسيطر ويشتهر، وأصبح الإجرام في المعابد والكنائس يأخذ المباركة والتحليل والإذن من سدنتها وفجّارها ومظلليها لسفك دماء المسلمين بغير حق.
ونحن بين الانقسام والتشرذم، والضعف والذل، والتبعية والانهزام، ونيران الخلافات والنزاعات والفتن بين حكام وساسة هذه الأمة الواحدة؛ الذين هجَّنونا ودجَّنونا وغرَّبونا وأذلُّونا، وأوصلونا إلى درجة تحريم الحق وتحليل الباطل والحرام، بل والكفر والشرك بالله دون أن نشعر، المهم أن ينالوا رضا أسيادهم من أعداء هذه الأمة.
ويحل علينا هذا العام ونحن ما زلنا في ذلك الضعف والوهن والشقاق والخلاف والنفاق فيما بيننا. ويطل علينا وما زال الكثير منا يعتقد بأن الأعداء هم الأمن والأمان، والدرع والحماية والضمان، وأنهم من يجب طاعتهم والثقة بهم والتعويل والركون عليهم. كما يطل علينا ونحن ما زلنا نحمل الحقد والضغائن لبعضنا بعضًا، وتعمل أنظمتنا العربية والإسلامية على تدمير وإسقاط بعضها بعضًا.
ويطل علينا ونحن ما زلنا معتمدين على الأعداء في مأكلنا وملبسنا وكل أساسياتنا وكمالياتنا، ونهب أموالنا وثرواتنا لهم باسم الاستيراد، مستهلكين ومستوردين لكل شيء منهم. ويهل علينا ونحن في مفترق طرق، فيما تحدق بهذه الأمة المحمدية المخاطر والمؤامرات والتحديات من جميع المناحي والجهات.
ويأتي والمواطن العربي والإسلامي لا يدري: أيواجه قسوة الظروف، وقلة الدخل المادي، وصعوبة الحياة؟ أم يواجه الانهزام النفسي، والتقزم الفكري، والخوف من قول الحق، في ظل أنظمة هشة خانعة، مسلَّمة بالتبعية والسمع والطاعة لأعدائها، وبعضها وصل حدَّ العمالة، والعياذ بالله؟
إنها أنظمة قلبت مفاهيم الدين والملة المحمدية، وغيرت موازين استخدام القوة والقانون والحرب، وجعلت كل ذلك في أيديها باعتبارها ولية أمر شعوبها ودولها.
بل إن بعضها صار، بكل حماقة وعمالة وخزي وعمى، يستخدم القوة والسلاح وأساليب التعذيب والتنكيل والتصفية والسجون والمعتقلات للانتقام من شعوبه، بلا عقل ولا ضمير ولا إنسانية.
فقد صنفت شعوبها أعداءً، وتركت الأعداء الحقيقيين، لتخوض مع شعوبها معارك وجودية افتراضية بكل شراسة وعنف ووحشية، وبلا رحمة، وترتكب في حقهم أبشع صور الإجرام وقصص التعذيب والتصفيات والمآسي الفظيعة؛ لتصنع لنفسها بطولاتٍ وهميةً في واقعٍ افتراضيٍّ خاطئ، ومع شعوبها لا مع الأعداء الحقيقيين.
وذلك لأنها لم تعرف بطولات الميدان، ولم تنشأ على معرفة من هم الأعداء حقًّا، وكيفية التفريق بينهم وبين شعوبها المحمدية العظيمة.
وإن عرفت هذا الفرق، فلا تستطيع فعل ما يتوجب عليها تجاهه؛ لأنها لم تصل إلى مراكز السلطة والنفوذ لتتحدى أسيادها أو تنقلب عليهم، بل لتخدم مصالحهم، وتحمي ظلهم، وتطبق سياساتهم، وتقدم قرابين الولاء والطاعة لهم، ولو كانت هذه القرابين الكفر بالله، وعصيان رسول الله، ومخالفة القرآن، وخيانة الأوطان.
ولو كان هذا الولاء على حساب دماء شعوبها، وإذلالهم، وتغريبهم عن ربهم وملتهم ورسولهم وكتابهم وأمتهم، وفرض سياسات وقوانين تحارب الدين والملة المحمدية والقرآن، وكل معتقداتها ومقتضياتها، وتجرمها لأنها تعادي الأعداء، وتفضح كيدهم، وتفشل مخططاتهم، وتعمل على صحوة هذه الأمة وإيقاظها؛ وهذا بالضبط ما لا يريده الأعداء، وما تسعى تلك الأنظمة إلى وأده وتجريمه والتنكيل بالداعين إليه بلا هوادة.
ويأتي هذا العام، ونسميه عام التفاؤل بخير الله ورحمته وعزته لهذه الأمة المغلوبة على أمرها.
ويأتي والعالم كله يضع كفيه على عينيه، ويعيش ساعاتٍ وأيامًا على أعصابه، في أحداثٍ تتصادم فيها القوى، وتلتقي المصالح في جغرافيا تمزج السياسة بالمادة والشر والهمجية، وتسخرها لحرب العقائد الباطلة ضد الإسلام، بسياسة استعمارية شيطانية وقحة.
ويأتي وقد اجتمع الشر كله، بإنسه وجنه، للنيل من الخير المتمثل في هذا الإسلام وأهله وأمته، بكل ظلم وعربدة وسقوط قانوني وأخلاقي منحط، دون مساحة لقيم أو مثل أو أخلاق أو مبادئ أو رحمة أو قانون أو عدالة أو أمن أو إنسانية، في هذه الجغرافيا العالمية الصهيوصليبية الإلحادية الغربية الاستعمارية الجديدة.
ويأتي ونحن في ساعات فاصلة؛ إما بقيام حرب قد يشعلها سدنة الشر وشياطينه ومجرموه من الحلف الصهيوأمريكي الغربي، فتطال المنطقة والعالم، وإما أن تضع التحديات وبدايات هذه الحرب المحتملة أوزارها، وتنطفئ شراراتها، فننعم بعام خير ورحمة وعز وأمن وأمان وقوة ونصر وإحسان من رب السنين والأعوام، مكوِّن الأكوان، الحيِّ الغالب، القويِّ الناصر، المعزِّ الديان.
فهل لنا عزة وملة وأمة وكرامة واستقلالية وشأن؟ ذلك طموح، إن أردناه، فلا بد من العمل من أجله، وتوحيد الصفوف، والتضحيات الجسام؛ فنحن، للأسف، في شقاق وانقسام، بينما العالم كله يتموضع في بوتقات التكتلات والاتحادات والأحلاف ضدنا بالدرجة الأولى.
فهل نضع لأمتنا الرقم الصعب والمهيب العظيم بين زحمة الأرقام، وتكتلات الأقوام؟ وهل نتحدى ونرفض ونبطل معاهدة واتفاق إبراهيم؟ وهل نتحمل المسؤولية بكل اقتدار أمام الله ورسوله وكتابه، ونبلور معنى الاعتصام، ونخوض في الأمور المحمودة المحمدية الجسام، ونرفض التبعية، وننبذ الخصام، وننهض من تحت الركام؟
هذا ما نأمله، ونرجوه، وننشده...
وإلا فعلى الجميع السلام.
د.نبيل الهادي- اليمن